قد يلجأ الفنّان في رحلته الفنيّة إلى تغيير مساره إمعانا في بناء ملامح المبدع الكامن في المهندس أمين . فهو يكتب ويلحّن و يغنّي ، وهو حامل لمشروع فنّي يهدف إلى الرّقيّ بالذوق العربي الذي تردّى بعد الثورات وتهاوى كما الأنظمة….فغدا ركام ذكريات …نشعر ونحن تمرّ صدفة في مقهى و العندليب وأم كلثوم والسيد درويش و الهادي الجويني وعلي الرياحي يعودون إلينا ، أنّ السمع قد تطهّر من الضجيج الجديد و الموسيقى الصاخبة لشباب همهم الربح والشهرة و عدد المعجبين على قنوات اليوتيوب…كمرور السيّاب بالمقهى في غربته( بالأمس سمعتك يا عراق/ وكنت دورة أُسطوانة / هي دورة الأفلاك من عمري/ قد تكوّر لي زمانه)…والشاب أمين يخاف هذه الغربة …فبنى مشروعا ضخما…
ولكن الشّاب أمين لم ينزلق قلمه الشعري وحنجرته الذّهبية وراء موجات الصّخب ، بل انبرى يرسم صورة صفاء الروح في أغانيه التي تجمع بين لحظة الشّعر المتوهجة واللّحن القويم والصوت الجهوريّ…فهو يرسم الواقع في لحظة تجل تصل التّماهي في تماس مع الفن – الرّسالة…
وأيّ رسالة فهي تحمل مرامي كبرى وأهدافا ساميّة لتنقية الرّوح ممّا ترسّب فيها …فهو يعتبر أنّ الفنّ رسالة وجودية تُصقل بالتّجربة وبتعد عن التّبذير الفني وتحتفظ بنُقاية الإبدع ميسما لبناء علاقة تفاعلية مع الجمهور…
و لا يمكن الإشارة إلى مرامي أمين بنعلي الفنيّة دون التطرّق إلى التوجه الفنّي الذي يسير عليه …فهو في رحلة بحث لا تنتهي هدفه التّجديد وكأنّه في مختبر يجرّب بماء الخيال والرّوح مستحضرا فنيا بدأ بالإنشاد الديني تنقية للروح ووصل ذلك بالمنحى الصوفى وتواصل المدّ إلى الموسيقى الملتزمة…والبحث جار في بواطن الروح عن أشكال ترتقي بالذّوق وتتصالح مع الجمهور الذي تفرقت به السّبل وضاع بين صمت المبدعين وصخب المتطفلين…
والنّاظر في أعماله الفنيّة المتنوعة كتابة ولحنا وتوزيعا يلحظ بيسر عمق تجربة أمين بنعلي –رغم حداثتها-…فأغنيّة “شاهي زيارة ” من كلماته وألحانه وتوزيع المتميّز صابر الزواغي تشي بالمنحى العام للفنان أمين التّونسي، فهو يشتاق لزيارة الرّسول(ص) ولو روحا…وأغنية “زعمة غدوة خير” من كلماته وألحانه وتوزيع صابر الزواغي وإخراج BILTA، وهي عبارة عن حيرة وجوديّة تجاه الذات والوطن…وغيرهما من الأغاني التي حظيت بدعم من وزارة الشؤون الثقافية التّونسية…بتحويلها إلى فيديو كليب كأغنية “أحمد الله”…وغيرها من الأغاني التي حوّلها إلى لوحات فنيّة تجريدية تمزج بين لغة اللّون و صفاء الصورة وصرخة الواقع وروعة الآداء وعذوبة الموسيقى وسلاسة الكلمة …
والرأي عندي أنّ الشاب التونسي الفنان أمين بنعلي هو عصارة بحث وجدّ وسهر ودراسة للموسيقى وتخيّر نُقايتها… فهو مختَبر فني يعجّ حيويّة واتّقاد روح الشباب الضاربة في روح إفريقية و قرطاج عليسة و روح الثورة التونسية ، هدفه أن ترى أعماله النّور فيستفيد منها الجمهور لأنّ الفن لا يستقيم معناه ولا تصل رسالته مادام حبيس الجدران …والشاب أمين يريد أن يحلّق بعيدا بفنّه علّه يخلق لطفي بوشناق جديد و زياد غرسة آخر…
بقلم الناقد التّونسي البشير الجلجلي
الفنّان التّونسي أمين بنعلي من الإنشاد الصّوفي إلى الالتزام الفنّي( رحلة فنّ لا تنتهي)
تونس/ بقلم الناقد التّونسي البشير الجلجلي